عن الصقور

الصقور في الثقافة العربية

عرف الإنسان الصيد بالطيور الجارحة منذ القدم، و تُظهر أقدم النقوش المكتشفة أن جزيرة العرب عرفت الصيد بالصقور منذ آلاف السنين. ويُفضّل العرب الصيد بالصقور على غيرها من الجوارح، بينما صادت شعوب أخرى بطيور جارحة مختلفة كالنسور والعقبان وغيرها.

وتوجد أنواع مختلفة من الصقور تصل إلى عشرات الفصائل والسلالات إضافة إلى الفصائل المهجنة حيث تنقسم الصقور بصورة عامة إلى أربعة أنواع رئيسة هي الصقر الحر وصقر الجير والشاهين إضافة للوكري.

ويتربّع الصقر الحر على عرش الصقور عند العرب، كما أنهم يعرفون أنواعاً مختلفةً من الشواهين وصقور الوكري، بينما لم نتشر لديهم الصيد بصقر الجير (ما يُعرف أيضاً بالكندي) إلا في العقود القليلة الماضية بسبب تكاثره في الأماكن شديدة البرودة وصعوبة تأقلمه في الصحاري العربية.

ويذكر في التراث العربي أن الحارث بن معاوية بن ثور الكندي هو أول من عرف الصيد بالصقور في زمان مملكة كندة، إذ وقع صقر في شرك للطيور وقام بأكل بعض العصافير فيه فأُعجب الحارث بالطير الغريب وأمر بصيده وبعد أيام وبينما كان الحارث مع طيره الغريب تفاجأ به يفلت من بين يديه؛ ليقتنص حمامة عابرة، وبعد أيام كان الصقر في موعدٍ مع طريدة أكبر وأثمن فاقتنص أرنباً برياً والحارث ينظرعندها – تقول الحكاية – علم الحارث أنه في حضرة طير مختلف، فأمر بتدريبه على الصيد وهذا ما كان، فتوارث العرب في الجزيرة العربية الصيد بالصقور أباً عن جد.

وكان الصيد بالصقور هواية ترف للملوك والأمراء وعِلية القوم في جزيرة العرب، كما كان مصدر رزق للفقراء إلا أن الهواية لم تختص بالعرب فقد انتشر الصيد بالطيور الجارحة من أواسط آسيا إلى أوروبا حتى أصبح من هوايات النبلاء هناك ولعب دوراً دبلوماسياً كبيرا في القرون الوسطى إذ كانت الصقور هدايا ملوك أوروبا لبعضهم.

عرفت الجزيرة العربية الصيد بالصقور قبل آلاف السنين إذ توثق النقوش معرفة العرب بالصقور منذ ما يزيد عن 9 آلاف سنة قبل الميلاد. أي قبل آلاف السنين من الأسطورة المنسوبة للحارث الكندي وما يُنسب للملك الآشوري صارغون الثاني، وتثبت آثار “حضارة المقر” في العصر الحجري الثاني والمكتشفة حديثاً أن الإنسان في جزيرة العرب استئناس الخيل والصقر وحيوانات أخرى في وقت مبكر جدا مقارنة بالحضارات الأخرى.

وكانت ولا تزال الجزيرة العربية معبراً هاماً للصقور المهاجرة من وسط آسيا وشرق أوروبا إلى أفريقيا حيث يكمن الصقّارون للصقور في صحاري شمال الجزيرة العربية لصيدها مع انكسار صيف كل عام، كما تستوطن بعض أنواع الصقور جبال الجزيرة العربية وتتكاثر فيها.  

وتحظى تربية الصقور بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام في المملكة العربية السعودية بمختلف مناطقها وتشارك في المهرجانات بأجنحة مخصصة لعرض الصقور الحيّة ولا تغفل عن تقديم دروس مخصصة في تربية الصقور وتدريبها والتعريف بأهمية هذا التراث وأصالته في منشآت مختصّة وتتشارك مع باقي دول مجلس التعاون في منع صيدها بالبنادق والحد من الصيد الجائر والالتزام بالقوانين المفروضة؛ للحفاظ على توازن الأنواع المهددة بالانقراض إلا أن الظروف البيئية الغير ملائمة لتزاوج الصقور وارتفاع نسبة الحرارة والرطوبة حدّت من زيادة الإنتاج وعملية التفريخ.

يُعتبر العرب من أكثر الشعوب تولعاً واهتماماً بتربية الصقور، وكان لملوكهم بصمة واضحة في تاريخ التربية والصداقة مع هذه الطيور الجارحة، خاصة في شبه الجزيرة العربية. وقد أكسبوها مكانة اجتماعية راقية حتى أصبحت رمزاً للقوة والرفعة والشجاعة، وموضع فخر، لجمالها وولائها وحدّة بصرها والثقة المصاحبة لها.